الشيخ محمد رشيد رضا
349
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الشديد الذي يصخّ المسامع أي يقرعها حتى يصمها أو يكاد ، أو الذي يضطرها إلى الاصاخة والاصغاء وإذا أنت فسرت الكلمة بيوم القيامة ، ووصفته بالقارعة في سورتها ، وبالصاخة في سورة ( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) تكون قد انفلتّ من مأزق الترجمة إلى سعة التفسير ، وحينئذ قد تكون عرضة لغلط في التفسير يضيع به شيء من مراد اللّه تعالى من هذه الألفاظ . وإذا كان قد وقع في هذا بعض المفسرين بالعربية ، فالمترجم بلغة غير العربية أولى بالغط ، فان بعض المفسرين قال : إن المراد بالقارعة الداهية التي تقرع القلوب . وهذا التفسير مردود بدلالة القرآن نفسه ، فان اللّه تعالى يقول في شرح هذا القرع : ( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ * خافِضَةٌ رافِعَةٌ * إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) ( 56 : 1 - 7 ) فهذا عين المراد من قوله تعالى ( الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ ؟ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ؟ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) ويوضح هذا من نظريات الهيئة الفلكية ما ذهب اليه بعض الفلكيين من أن خراب هذا العالم لا يتصوّر الا بدنوّ بعض النجوم ذوات الأذناب من الأرض وصدمه أو قرعه لها قرعة شديدة على نسبة قوة الجذب ، تبس به الجبال أي تتفتت حتى تكون هباء منبثا في الفضاء ، وحينئذ يبطل نظام الحاذبية العامة ، فتتناثر الكواكب وتتصادم كما قال تعالى في وصف ذلك اليوم ( وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ) فانطباق الآيات المختلفة الواردة في وصف يوم القيامة من السور المتفرقة على على هذه النظرية الفلكية التي لم تكن في عصر التنزيل معروفة للعرب ولا لغيرهم من علماء الفلك على الطريق القديم ، قد تعد في هذا العصر من معجزات القرآن وعجائبه ، وفاقا لما ورد في وصفه من الأثر ( ولا تنتهي عجائبه ) ولكنه لا يظهر من ترجمة القرآن الحرفية ، فيكون قصورها وعدم موافقتها للأصل من طرق متعددة فلما سمع مني ذلك الطبيب التركي المغرور هذا الشرح بهت ولم يحر جوابا - على أننا رأينا في الصحف ان الذين شرعوا يترجمون القرآن في هذه الأيام قد فسروا ( يَوْمِ الدِّينِ ) في الفاتحة بيوم القيامة ، والدين الجزاء على الأعمال ،